الأحد 19 يوليو 2026
تنغير

بين هاجس الأمن وسيادة القانون.. كيف ينبغي تدبير ملف الكلاب الضالة ؟

تاريخ النشر: 19 يوليو 2026 الساعة: 00:54
بقلم: الرشيدية 24 .. متابعة

 

الرشيدية 24 : الحبيب بلوك

أعادت الواقعة التي شهدتها مدينة تنغير، والمتمثلة في سماع أصوات الرصاص واستهداف كلاب ضالة داخل المجال الحضري، فتح نقاش قديم يتجدد كلما وقعت حوادث مماثلة، وهو نقاش لا يتعلق فقط بظاهرة الكلاب الضالة، بل يمتد إلى الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها القضايا المرتبطة بالسلامة العامة في دولة المؤسسات والقانون.

لا أحد ينكر أن انتشار الكلاب الضالة أصبح يشكل هاجساً حقيقياً للمواطنين في عدد من المدن المغربية، خاصة مع تزايد حالات الاعتداء على المارة والأطفال، وانتشار المخاوف من داء السعار وغيره من المخاطر الصحية. ومن حق المواطنين أن يطالبوا بحماية أمنهم وسلامتهم، بل إن ذلك يعد من صميم مسؤوليات السلطات والجماعات الترابية.

غير أن هذا الحق المشروع في الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز الضوابط القانونية أو اعتماد أساليب تثير القلق داخل الفضاء العام. فاستعمال السلاح الناري في شارع عمومي، إن ثبت وقوعه خارج الإطار القانوني المنظم، يطرح أسئلة مشروعة حول معايير التدخل، ومدى احترام المساطر، والجهة التي تتحمل مسؤولية اتخاذ مثل هذه القرارات.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في معالجة ظاهرة الكلاب الضالة، وإنما في غياب سياسة عمومية واضحة ومستدامة للتعامل معها. فالحلول الظرفية قد تخفف من حدة المشكلة مؤقتاً، لكنها لا تقضي على أسبابها. لذلك أصبح من الضروري الانتقال إلى مقاربة علمية ومؤسساتية تقوم على التعقيم والتلقيح، وإنشاء مراكز للإيواء، وتعزيز حملات التوعية، مع توفير الإمكانيات اللازمة للجماعات الترابية لتنفيذ هذه البرامج.

وفي المقابل، فإن الرأي العام من حقه أن يحصل على توضيحات رسمية كلما أثارت واقعة من هذا النوع جدلاً واسعاً. فالتواصل المؤسساتي السريع والشفاف لا يبدد الإشاعات فحسب، بل يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم ويؤكد أن جميع التدخلات تتم وفق القانون وتحت رقابة المسؤولية والمحاسبة.

إن حادث تنغير، بصرف النظر عن تفاصيله التي تبقى رهينة بما ستسفر عنه التحقيقات أو التوضيحات الرسمية، ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة التفكير في طريقة تدبير هذا الملف على الصعيد الوطني. فالمواطن لا يريد أن يعيش تحت تهديد الكلاب الضالة، كما لا يريد أن يشعر بالقلق من سماع الرصاص في الشارع العام.

وفي نهاية المطاف، فإن الدولة القوية ليست تلك التي تلجأ إلى الحلول السريعة، بل تلك التي توفق بين حماية أمن المواطنين واحترام القانون، لأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا في ظل سيادة القانون، والقرارات الرشيدة، والتدبير المسؤول للقضايا التي تهم المجتمع.

شارك المقال

f X in m @
المقال السابق
المقال التالي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة