الإثنين 28 سبتمبر 2026
الرشيدية

من خلف الشاشات إلى صناديق الاقتراع: رسالة مفتوحة إلى الممتعضين والعازفين عن التصويت

تاريخ النشر: 28 سبتمبر 2026 الساعة: 11:20
بقلم: الرشيدية 24 .. متابعة

الرشيدية 24 : مصطفى هادي
تحفل منصات التواصل الاجتماعي يومياً بآلاف التدوينات والتغريدات التي تشرح واقعنا السياسي بذكاء شديد؛ ينتقد فيها المثقفون غياب الكفاءات، ويتهكم جل الشباب على نواب “الشكارة” والمال السياسي، ويسخر الجميع من الأداء التشريعي الهزيل الذي يبدو منفصلاً تماماً عن أزمات المناخ، وشح المياه، والتنمية المستدامة. هذا التشخيص الرقمي دقيق ولادع، لكنه يطرح في المقابل علامة استفهام كبرى وأكثر حرقاً: إذا كان هذا هو واقع البرلمان، فما الذي يربحه الوطن والمواطن حين تختارون الانسحاب وتتركون الساحة فارغة في يوم الاقتراع؟
إن هذا المقال لا يسعى للدفاع عن النخب الحالية، بل يتوجه بأسئلة عميقة ومباشرة إلى كل منتقد يعتقد أن “المقاطعة الصامتة” هي الحل.
ولنقل انه”العزوف العقابي”: لكن من المعاقَب الحقيقي؟!
قد يبرر الكثير من المثقفين والشباب عزوفهم عن التصويت بأنه نوع من الاحتجاج السلمي، أو إعلان عن عدم الاعتراف بشرعية الخيارات المطروحة. لكن لنتساءل بصدق: هل يتأثر تجار الانتخابات وأصحاب المال بنسب العزوف المرتفعة؟
الحقيقة الرياضية والسياسية تثبت العكس تماماً؛ فالمرشح الذي يعتمد على شراء الأصوات والوجاهة القبلية يفضل بقاءكم في منازلكم خلف الشاشات. لان غياب الكتلة الناخبة الواعية والمثقفة يقلل من حجم الأصوات المطلوبة للنجاح، ويجعل القواعد الانتخابية “المضمونة والموجَّهة” هي الحاضر الأوحد. باختصار: عزوفكم لا يعاقب الفاسد، بل يمنحه المقعد على طبق من ذهب وبأقل تكلفة ممكنة.
ولنعرج على معركة المناخ والاستدامة: هل تُدار بالاستقالة السياسية؟
وبمرارة يتساءل الشباب عن مستقبل البيئة، والعدالة المناخية، واستنزاف الفرشات المائية لصالح مشاريع فلاحية ريعية. إنها أسئلة مصيرية ترتبط بالتنمية المستدامة وحق الأجيال القادمة في البقاء. لكن كيف يمكن تغيير هذه السياسات إذا كان حماة البيئة وأصحاب الفكر الأخضر يمارسون “الاستقالة السياسية”؟
الا يعلم هؤلاء ان تشريع القوانين البيئية الصارمة والاتفاقيات الدولية لا تُقر عبر الهاشتاغات، بل تُصاغ داخل اللجان البرلمانية. فعندما ينسحب المهندس، والعالم، والشاب الطموح من العملية الانتخابية، فإنه يسمح تلقائياً لأصحاب المصالح التجارية بتولي القيادة، ليفصلوا قوانين الاستثمار على مقاس شركاتهم الملوثة.
ثم ان هناك شكوى تتعلق بالفجوة الجيلية: كيف نكسر قيود الماضي؟
إن الشكوى المستمرة من شيخوخة النخب السياسية وعجزها عن فهم لغة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي هي شكوى مشروعة. ولكن، كيف للفجوة الجيلية أن تتقلص إذا كان الجيل الرقمي الجديد يكتفي بـ “اللايك” و”الشير” ويرفض النزول إلى معترك الفعل السياسي؟
تسأل اخر يرتبط بالمال السياسي الذي يقتات على إحباطكم؛ فعندما ينجح المال في إقناع الكفاءات بأن التغيير مستحيل، يكون قد حقق أكبر انتصاراته. إن كسر احتكار المقاعد يتطلب كتلة ناخبة حرجة تتوجه إلى الصناديق لترجيح كفة الكفاءات و الوجوه الشابة والنظيفة، وتجعل من ورقة التصويت أداة عقاب حقيقية ضد من يشتري الذمم.
امام كل هذا يبقى الخروج من البرج العاجي: صوتك هو خط الدفاع الأخير.
إن انتقاد الوضع الحالي هو دليل على الوعي والوطنية، لكن الاكتفاء بالانتقاد من وراء الشاشات هو نوع من السلبية التي تغذي الوضع القائم. الديمقراطية لا تتغير بالامتعاض، بل بالمواجهة شريطة امتلاك شجاعة الاختيار والمحاسبة.
الرسالة اليوم لكل مواطن، ومثقف، وشاب: إذا كنت ترى أن جميع المرشحين لا يمثلونك، فابحث عن الأقرب إلى أفكارك، أو ساهم في دعم بدائل جديدة، أو على الأقل ضع ورقة بيضاء تعبر عن موقفك الواعي، لكن لا تترك صوتك لقمة سائغة يعاد تدويرها لصالح من يملك المال. إن الدفاع عن الديمقراطية وتحقيق التنمية المستدامة يبدأ من نقطة واحدة: أن ندرك أن التغيير لا يصنعه الجالسون على مقاعد المتفرجين.

شارك المقال

f X ↗ in m @
المقال السابق
المقال التالي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة