الأربعاء 4 نوفمبر 2026
كتاب الرأي

الصحراء المغربية.. بين ثبات الموقف وتحولات العالم: واهم من يعتقد أن المغرب سيتنازل عن ثوابته الوطنية

تاريخ النشر: 4 نوفمبر 2026 الساعة: 00:58
بقلم: الرشيدية 24 .. متابعة
الصحراء المغربية.. بين ثبات الموقف وتحولات العالم: واهم من يعتقد أن المغرب سيتنازل عن ثوابته الوطنية

 

الرشيدية 24 : الحبيب بلوك

ليست قضية الصحراء المغربية مجرد خلاف سياسي عابر، ولا ملفاً دبلوماسياً يمكن إخضاعه لحسابات المصالح الظرفية أو المساومات الجيوسياسية، بل هي قضية ترتبط بتاريخ المغرب ووحدته الترابية وذاكرته الوطنية، وتشكل إحدى أبرز القضايا التي تحظى بإجماع واسع داخل المجتمع المغربي.

ومن هذا المنطلق، فإن كل من يعتقد أن المغرب يمكن أن يتخلى عن أقاليمه الجنوبية، أو أن يقبل بالتراجع عن ثوابته الوطنية تحت ضغط الظروف الدولية، إنما يسيء قراءة طبيعة الموقف المغربي، ويغفل التحولات العميقة التي عرفتها المملكة خلال العقود الماضية.

إن المغرب ليس دولة تبحث عن حلول على حساب سيادتها، ولا يمكن اختزال موقفه في مجرد حسابات ظرفية تفرضها موازين القوى أو التحالفات الدولية. فالعلاقات بين الدول، مهما بلغت درجة تشابك المصالح فيها، لا تعني بالضرورة التخلي عن المبادئ والثوابت الوطنية.

كما أن من يعتقد أن المغرب سيقبل بحل تُصاغ تفاصيله وفق إملاءات خصوم وحدته الترابية، أو أنه سيخضع لابتزاز سياسي ودبلوماسي تحت غطاء الحسابات الجيوسياسية، عليه أن يدرك أن للمغرب مؤسساته وثوابته وخياراته الاستراتيجية، وأن تدبير القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن يكون بمنطق الإملاء أو فرض الأمر الواقع.

لقد تغير العالم كثيراً منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين. ولم تعد العلاقات الدولية محكومة فقط بمنطق الاستقطاب بين المعسكرات، بل أصبحت المصالح الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية والتكتلات الإقليمية والدولية والتنمية المستدامة عناصر أساسية في بناء علاقات الدول. لذلك، فإن استحضار مفاهيم سياسية نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، دون مراعاة التحولات الراهنة، يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى ملاءمتها لواقع دولي جديد.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل المسار الذي اختاره المغرب منذ استرجاع أقاليمه الجنوبية سنة 1975؛ فقد واجه تحديات جغرافية ومناخية واقتصادية كبيرة، لكنه راهن على البناء والتعمير والاستثمار، وأطلق مشاريع كبرى شملت الطرق والموانئ والمطارات والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية، وساهمت في تغيير ملامح المنطقة وتعزيز اندماجها في الدينامية التنموية الوطنية.

وهنا تكمن أهمية المقاربة المغربية؛ فالدفاع عن الصحراء لا يقتصر على المرافعة الدبلوماسية في المحافل الدولية، بل يتجسد أيضاً في المشاريع التنموية، وفي بناء المدن، وتوفير البنيات التحتية، وخلق فرص الاستثمار، وتحسين ظروف عيش المواطنين.

لكن الدفاع الحقيقي عن الوحدة الترابية يقتضي كذلك مواصلة هذه الدينامية، وضمان توزيع عادل لثمار التنمية، والاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب من فرص الشغل، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، حتى تكون التنمية في الأقاليم الجنوبية واقعاً ملموساً يستفيد منه الجميع.

إن قوة الموقف المغربي لا ينبغي أن تُقاس فقط بحدة الخطاب أو قوة الشعارات، وإنما أيضاً بمدى القدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الحلول السياسية الواقعية، وبين الدفاع عن الوحدة الترابية ومواصلة بناء دولة المؤسسات والتنمية.

ومن حق المغرب أن يدافع عن تصوراته ومصالحه الوطنية، وأن يتمسك بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها سنة 2007 باعتبارها مقترحاً سياسياً لحل النزاع، في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة، دون أن يعني ذلك قبول إملاءات أو شروط تُفرض من خارج المسار السياسي.

إن الرهان اليوم ليس فقط على كسب المواقف الدبلوماسية، بل أيضاً على تعزيز الجبهة الداخلية، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات، ومواصلة التنمية، وتحصين الوعي الوطني من كل ما من شأنه المساس بوحدة البلاد.

واهم من يعتقد أن المغرب سيتخلى عن أقاليمه الجنوبية أو سيتنازل عن ثوابته الوطنية تحت ضغط الحسابات الظرفية. فالدول التي تمتلك رؤية استراتيجية لمستقبلها لا تتعامل مع قضاياها المصيرية بمنطق اللحظة، وإنما بمنطق التاريخ والمصالح الوطنية والأجيال القادمة.

وستظل الصحراء المغربية قضية وطنية تستدعي اليقظة والمسؤولية والعمل المتواصل، لأن الأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بوحدة الصف، وقوة المؤسسات، والعدالة في التنمية، والقدرة على مواجهة التحديات بثبات وحكمة.

الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه.. والتنمية هي أبلغ تعبير عن الارتباط بالأرض والمواطن والمستقبل.

شارك المقال

f X ↗ in m @
المقال السابق
المقال التالي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة