تستعد مدينة تنغير، مطلع أبريل المقبل، لاحتضان الدورة الثانية من منتدى “المضايق والواحات”. في تظاهرة جديدة تؤكد الرهان المتواصل على تثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها المنطقة. وجعلها في صلب مسار تنموي محلي قائم على السياحة الواحية والجبلية. ويأتي تنظيم هذا الموعد ما بين 3 و5 أبريل 2026، بمبادرة من المجلس الإقليمي للسياحة. وبدعم وإشراف من عمالة إقليم تنغير، تحت شعار “السياحة الواحية والجبلية رافعة للتنمية المحلية”.
ويعكس هذا الحدث، الذي يعود بعد النجاح الذي طبع دورته الأولى، توجها متناميا نحو ترسيخ مكانة تنغير ضمن الوجهات السياحية الصاعدة على الصعيدين الجهوي والوطني. خاصة في ظل ما تختزنه من مؤهلات طبيعية فريدة، تتقدمها مضايق تودغى ودادس. إلى جانب الامتداد الواحي والرصيد الثقافي والتراثي الذي يمنح الإقليم خصوصيته داخل الجنوب الشرقي للمملكة.
تنغير تضع مؤهلاتها الطبيعية في واجهة الترويج
ويراهن منظمو المنتدى على تقديم صورة متكاملة عن إقليم تنغير، باعتباره مجالا يجمع بين جاذبية الطبيعة وغنى الموروث المحلي. ويملك من الإمكانات ما يؤهله لاحتلال موقع متقدم ضمن خريطة السياحة البيئية والجبلية بالمغرب. وفي هذا الإطار، يسعى المنتدى إلى إبراز المؤهلات الطبيعية والثقافية للإقليم. وربطها برؤية تنموية تستحضر الاستدامة، وتفسح المجال أمام المبادرات المحلية. خاصة تلك التي يقودها الشباب والفاعلون العاملون في المجالات السياحية والرقمية والبيئية.
ولا يقف هذا التوجه عند حدود الترويج للمواقع الطبيعية. بل يمتد إلى تشجيع التفكير في سبل تحويل هذه المؤهلات إلى رافعة حقيقية للتنمية، من خلال دعم الاستثمار. وتقوية حضور الفاعلين المحليين، وخلق دينامية جديدة تجعل من السياحة قطاعا منتجا للقيمة وفرص الشغل. كما يعكس اختيار شعار الدورة وعيا متزايدا بضرورة الانتقال من منطق التعريف بالمجال فقط إلى منطق بناء نموذج تنموي قادر على التوفيق بين المحافظة على الموارد وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المحلي.
ويبدو واضحا أن هذه الدورة تراهن على توسيع دائرة الانخراط المحلي في المنتدى، سواء عبر إشراك المهنيين. أو فتح المجال أمام الشباب، أو تعزيز الحضور الثقافي والتراثي. بما يمنح الحدث بعدا محليا أقوى، ويجعل منه مناسبة جامعة لعدد من الرهانات التي تهم الإقليم.
سباقات رياضية وندوات دولية في قلب البرنامج
وفي الجانب الرياضي، يعود ترايل المضايق والواحات “تودغى – دادس” في نسخة ثانية. بعد الصدى الذي خلفته الدورة الأولى. حيث سيقام السباق هذه السنة على مرحلتين وسط مسالك طبيعية تجمع بين التضاريس الجبلية والفضاءات الواحية. وتمتد المرحلة الأولى بين مضايق دادس وموقع أرجل القردة على مسافة 16 كيلومترا. فيما تربط المرحلة الثانية بين مضايق تودغى والمنظر البانورامي أسول على مسافة 12 كيلومترا. في مسار يراد له أن يجمع بين التنافس الرياضي والترويج لجمالية المجال.
وسيكون هذا الموعد الرياضي أحد أبرز فقرات المنتدى. بالنظر إلى ما يمثله من فرصة للتعريف بالمواقع الطبيعية التي يحتضنها الإقليم. وأيضا لما يوفره من إشعاع إعلامي وسياحي للمنطقة. كما أن تخصيص جوائز مالية مهمة من شأنه أن يرفع من مستوى التنافس. ويمنح السباق حضورا أكبر داخل الأوساط المهتمة برياضات الطبيعة والمغامرة.
وقبل انطلاق المنتدى، ستنظم فعاليات رياضية أخرى ما بين 15 و25 مارس 2026. عبر دوري “كأس المضايق والواحات لكرة القدم” لفائدة مواليد سنة 2014 بمختلف جماعات الإقليم. ويعكس هذا النشاط حرص المنظمين على توسيع قاعدة المشاركة. وإشراك الفئات الصغرى في أجواء التظاهرة، بما يعزز بعدها التربوي والاجتماعي إلى جانب بعدها الترويجي.
وعلى المستوى العلمي، سيشهد المنتدى يومي 4 و5 أبريل 2026 تنظيم ندوات دولية بمشاركة خبراء مغاربة وأجانب. من أجل مناقشة واقع السياحة الواحية والجبلية، واستعراض أبرز التحديات والفرص المرتبطة بها. كما ينتظر أن تركز هذه اللقاءات على قضايا الحكامة، وتطوير الشراكات، وجلب الاستثمار، واختيار النموذج التنموي الملائم لخصوصيات الإقليم، في أفق بلورة تصورات عملية تدعم سياحة مسؤولة ومتوازنة.
دعم المهنيين وإفساح المجال أمام الطاقات الشابة
يتجه المنتدى أيضا نحو منح مساحة مهمة للجانب التطبيقي والتأطيري، من خلال تنظيم ورشات تكوينية في مجالات الإنقاذ الجبلي والسلامة، تجمع بين العروض النظرية والتطبيقات الميدانية في رياضة تسلق الجبال داخل المضايق. ويؤشر هذا الاختيار على رغبة في تقوية جاذبية الإقليم في مجال سياحة المغامرة، مع تعزيز شروط السلامة والمهنية في هذا النوع من الأنشطة.
وفي السياق نفسه، سيستفيد مهنيو السياحة من لقاءات تواصلية تؤطرها مؤسسات عمومية، بهدف تقريبهم من برامج الدعم السياحي، وشرح كيفيات الولوج إلى التمويل وآليات المواكبة، بما يساعد على تأهيل المؤسسات وتحسين جودة الخدمات. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يحتاجه القطاع محليا من تأطير ومواكبة حتى يتمكن من مواكبة التحولات التي يعرفها المجال السياحي وطنيا.
ومن بين أبرز مستجدات هذه الدورة، فتح المجال لأول مرة أمام صناع المحتوى الرقمي للمشاركة في مسابقة “Reels & Story” الخاصة بالتصوير وصناعة المحتوى، في خطوة تعكس وعي المنظمين بأهمية الوسائط الرقمية في الترويج الترابي والتسويق السياحي. كما يتضمن البرنامج مسابقة “الابتكار الواحي للشباب”، التي تراهن على دعم المشاريع السياحية المبتكرة، عبر تتويج المبادرات المتميزة وتقديم مواكبة تقنية لأصحابها.
ويحمل هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن المنتدى لا يريد الاكتفاء بعرض مؤهلات الإقليم، بل يسعى أيضا إلى تشجيع شباب المنطقة على الإسهام في صياغة حلول وأفكار جديدة، قادرة على تحويل هذه المؤهلات إلى مشاريع ومبادرات ملموسة. وهو ما يمنح الحدث بعدا تنمويا عمليا، يتجاوز الطابع الاحتفالي إلى بناء آفاق فعلية للاستثمار المحلي.
حضور قوي للتراث المحلي واختتام بطابع احتفائي
في الشق الثقافي والاقتصادي، ستحتضن هذه الدورة معرضين للصناعة التقليدية بكل من تنغير وبومالن دادس، إلى جانب فضاء خاص بالتراث الواحي داخل مجمع الصناعة التقليدية بتنغير. وتندرج هذه الفضاءات ضمن جهود تثمين المنتوج المحلي، وتمكين التعاونيات والحرفيين من تسويق منتجاتهم، والتعريف بإبداعاتهم أمام الزوار والمهتمين.
كما يتضمن البرنامج تنظيم أمسية دينية نسوية تعرف محليا باسم “بالفديت”، بمشاركة أكثر من 200 امرأة من نساء المنطقة، في مشهد يعكس عمق الارتباط بالموروث الروحي والتراثي المحلي. وستواكب هذه الفقرات عروض فنية لفرق تراثية محلية متنوعة، بما يبرز غنى الرصيد الثقافي الذي يتميز به إقليم تنغير، ويمنح المنتدى بعدا هوياتيا واضحا.
وتنظم هذه التظاهرة بشراكة مع المكتب الوطني المغربي للسياحة، والمجلس الإقليمي لتنغير، والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، وشركة معادن إميضر، وجماعات تنغير وبومالن دادس وتودغى العليا وأيت سدرات الجبل العليا وأيت سدرات الجبل السفلى، إلى جانب مؤسسات عمومية ومهنية وفاعلين من القطاع الخاص. وتعكس هذه الشراكات مستوى التعبئة المؤسساتية المحيطة بالمنتدى، كما تؤكد أن الرهان على تنمية الإقليم أصبح قضية مشتركة بين عدة متدخلين.
ومن المرتقب أن تختتم فعاليات الدورة الثانية من منتدى “المضايق والواحات” بتتويج الفائزين في مختلف المسابقات الرياضية والثقافية والإبداعية، الموجهة أساسا لشباب الإقليم، إلى جانب تكريم شخصيات مهنية ورياضية ساهمت في خدمة الرياضة على المستويين الإقليمي والوطني، في ختام يمنح التظاهرة بعدا احتفائيا، ويكرسها كموعد سنوي يراهن عليه لتعزيز إشعاع تنغير سياحيا وثقافيا وتنمويا.




















