احتضنت الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، صباح الثلاثاء 30 دجنبر الجاري، ابتداءً من الساعة التاسعة صباحًا، ندوة وطنية علمية في موضوع «الفقه الإسلامي – خطاب البدايات: الحدود المعرفية والأدوات المنهجية لتنزيل الأحكام على الوقائع»، نظمها فريق التكامل المعرفي والتجديد المهني بجامعة مولاي إسماعيل، بمشاركة ثلة من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في الفقه وأصوله والقانون.
وتوقفت أشغال هذه الندوة عند جملة من الإشكالات المعرفية والمنهجية التي رافقت تشكّل الفقه الإسلامي في مراحله الأولى، حيث أُثير النقاش حول تحوّل الفقه، في بعض الحقب التاريخية، إلى مذاهب مغلقة، وما ترتب عن ذلك من تضييق على مجال الاجتهاد، خاصة منذ القرن الثاني الهجري الذي شهد تدوين الحديث وتبلور العلوم الشرعية.
وناقش المفتش التربوي الممتاز الأستاذ المصطفى فرحان، في هذا السياق، الإشكالات المعرفية والمنهجية التي صاحبت نشأة علم الفقه وأسهمت في نموه، متوقفًا عند ظهور آليتي الإجماع والقياس بعد وفاة الرسول ﷺ، استجابة لنوازل لم يرد فيها نص صريح في القرآن أو السنة، ومبرزًا إشكالية التوازن بين العقل والنقل في بناء المعرفة الفقهية.
من جانبه، قدّم الدكتور عبد الواحد الوزاني، أستاذ بكلية الشريعة بفاس، مداخلة تناول فيها جدلية العلاقة بين الحديث والعمل في خطاب البدايات، مؤكدًا أن العمل يُعد سنة عملية متواترة، وأن فهم السنة لا ينفصل عن الممارسة الجماعية للأمة في مراحلها الأولى.
وتطرق الأستاذ علي اسعاعو، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، في إطار استحضار التحولات المعاصرة، إلى موضوع تنزيل الأحكام في ظل التحولات الرقمية، مبرزًا الانتقال من فقه الواقع المادي إلى فقه الواقع الرقمي، وما يفرضه ذلك من تجديد في آليات الاجتهاد واستيعاب المستجدات التكنولوجية.
كما ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى الصادقي ورقة علمية موسومة بـ**«الخطاب الفقهي وامتدادات المنهج: الفقه السياسي نموذجًا»**، أبرز من خلالها أهمية إدراك المصالح المرسلة، والحاجة إلى تطوير أصول الفقه في بعض القضايا، معتبرًا أن الفقه السياسي لا يعدو، في كثير من تجلياته، محاولة لأسلمة النموذج الغربي.
وقدّم الدكتور أحمد الفلوسي، في السياق ذاته، مداخلة حول تاريخ الفقه المالكي بالغرب الإسلامي، استعرض من خلالها سياق ظهور فقه الإمام مالك بالمنطقة، ومجمل العوامل التي أسهمت في ترسيخ المذهب المالكي والتمكين له.
وتناول الأستاذ رضوان العمراني، في مداخلته موضوع مراعاة الفروق الفردية في الفقه الإسلامي بين التنظير والتنزيل الاجتماعي، من خلال قراءة في نماذج فقهية وتراثية، مسلطًا الضوء على المكانة التي يوليها الفقه الإسلامي لمراعاة الخصوصيات الفردية عند تشريع الأحكام، مع عرض بعض التطبيقات العملية الدالة على ذلك.
وأكد الطالب الباحث لبغيت البلغيتي، في إطار استكمال النقاش المنهجي، ومن خلال مداخلته المعنونة بـ**«العرف والعادة أداتان منهجيتان لتنزيل الأحكام على الوقائع»**، على ضرورة استحضار العرف والعادة في عملية الاجتهاد الفقهي، باعتبارهما عنصرين أساسيين في تنزيل الأحكام على الواقع.
كما تناولت الطالبة حفيظة اسرتين موضوع الفقه الإسلامي بين النوازل المستجدة والإجابات المواكبة، حيث سعت مداخلتها إلى مناقشة علاقة الفقه بالنوازل المعاصرة، وحركية المجتمع، مع تقديم نماذج تطبيقية من قبيل حكم المرابحة للآمر بالشراء.
وفي ختام الجلسة العلمية، قدّمت الطالبة حنان جطيوي مداخلة موسومة بـ**«أسس التقليد الفقهي»**، استعرضت من خلالها منظومة القواعد المؤسسة للتقليد الفقهي، ومن بينها الأساس الاجتماعي، والأساس المعرفي، وأساس المشاركة المجتمعية.
وخصصت الجلسة الختامية، لكلمة لجنة التنسيق وكلمات للأساتذة المشاركين، حيث تم التأكيد على أهمية مثل هذه اللقاءات العلمية في تجديد الدرس الفقهي وربطه بتحولات الواقع.
واختُتمت أشغال هذه الندوة بالإشادة بحسن تنظيمها وتنسيقها، وما أبانت عنه من مستوى علمي رفيع ونقاش أكاديمي مثمر، يعكس الدور الريادي للمؤسسة الجامعية في تجديد البحث الفقهي ومواكبة قضايا العصر.


















