الرشيدية 24: الحبيب بلوك
رغم ما شهده إقليم الرشيدية، خلال الموسم الفلاحي الماضي، من تحسن ملحوظ في التساقطات المطرية وارتفاع حقينة سد الحسن الداخل إلى أزيد من 70 في المئة، ما انعكس إيجابًا على جريان واد زيز وانتعاش الفرشة المائية، فإن واحة القصر الجديد التابعة لجماعة أوفوس لا تزال تعيش مفارقة لافتة: مياه متوفرة، وسواقي جافة، وحقول محرومة من السقي.
تمتد واحة القصر الجديد على طول يقارب خمسة كيلومترات بمحاذاة واد زيز، وتتكون من ستة قصور رئيسية، إضافة إلى تجمعات سكنية حديثة فرضها ضيق المجال الطبيعي، حيث تحاصر الواحة بين الجبل والوادي، مما يحد من التوسع العمراني والفلاحي. وتعتمد غالبية الساكنة على الفلاحة المعاشية، خاصة زراعة النخيل والزيتون، في ظل هشاشة اقتصادية دفعت بالكثير من شباب المنطقة إلى الهجرة نحو المدن الكبرى أو إلى العمل الموسمي بالحقول الفلاحية في إسبانيا وفرنسا.
وعلى الرغم من تحسن الموارد المائية، لم تستفد الحقول الصغيرة بالقصر الجديد من مياه السقي، بسبب وضعية بنيات مائية متقادمة وغير مؤهلة. إذ يتوفر القصر على ساقيتين رئيسيتين، هما الساقية القصرية والساقية المروسية، تمتدان على طول الواحة بمحاذاة ضفتي واد زيز، غير أن الإهمال وعدم إعادة تأهيل العتبات المائية المقامة على الوادي جعلهما غير قادرتين على استقبال مياه الطلقات المائية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تفاقمت الأزمة بسبب تضارب في الرؤى والمصالح بين الفاعلين المحليين. فجمعيات تشرف على الثقوب المائية والآبار، التي أُنجزت خلال سنوات الجفاف بدعم كبير من الساكنة والجالية المغربية المقيمة بالخارج، تختلف حول أولويات السقي. فبين من يرى ضرورة توجيه المياه لسقي أشجار النخيل باعتبارها المنتوج الأساسي للواحة، ومن يدافع عن حق الأراضي الفلاحية الصغيرة في السقي رغم محدودية إنتاجها، تظل الأرض هي الخاسر الأكبر.
وتستحضر ساكنة القصر الجديد بأسى مرحلة سابقة، أواخر القرن الماضي، حين كانت تدبير السواقي والعتبات يتم وفق الأعراف المحلية التي ضمنت التوازن والتكافل. فقد كان نظام “التاكورة والوتد” يُلزم الجميع بالمشاركة في صيانة السواقي، كما كان لكل مجال منظم عرفيًا مسؤولوه، من شيخ الغابة لحمايتها، إلى شيخ السواقي لتنظيم عملية توزيع المياه، وهو ما ضمن لسنوات طويلة سلاسة التدبير وعدالة الاستفادة.
اليوم، ومع تراجع سلطة العرف وغياب التنسيق المؤسسي الفعّال، أصبحت المصلحة الخاصة تطغى على المصلحة العامة. فرغم استمرار جريان مياه واد زيز وانتظام الطلقات المائية، تظل سواقي القصر الجديد فارغة، وحقوله عطشى، في مشهد يعكس خللًا عميقًا في الحكامة المحلية وتدبير الموارد الطبيعية.
وتطالب فعاليات محلية بتدخل عاجل لإعادة تأهيل السواقي والعتبات المائية، وفتح حوار تشاركي يجمع مختلف المتدخلين لإرساء رؤية موحدة وعادلة لتدبير مياه السقي، بما يضمن إنصاف الفلاحين الصغار وحماية الواحة من مزيد من التدهور، قبل أن تتحول نعمة الماء إلى فرصة ضائعة جديدة في تاريخ واد زيز.

















